
اعتدت منذ زمن على ألا أعير الزمن انتباها ..
الزمن هو المتغير الأقل أهمية في حياة المصريين و العرب على وجه العموم , لربما لطول عهدهم بالزمن , فهم هناك على هذه الأرض منذ قديم الأزل , هم قديمون بشكل قد يجعل مفهومهم عن الزمن مختلف عن باقي أجناس البشر , أصلا الجزم بوجود مفهوم واحد للزمن عند العرب هو إلي الخيال أقرب..
و لربما كان الزمن هو الأقل أهمية عند العرب بوصفه المتغير الوحيد المستقل في حياة الإنسان , فالإنسان العربي بغريزية أولية أدرك أن كل المتغيرات مرهونة بسلطة ما غير ذاتية التغير , ما عدا الزمن فما إن تحركت الساعة للأمام لا راد لعقاربها مهما فعل .. و عليه فطن العربي إلى أنه من الأفضل أن يحمل هم المتغيرات التي يستطيع التحكم فيها و يترك هم ما لا يستطيع التحكم فيه..
و ارتبط ذلك المفهوم ارتباطا غريبا بالدين , لربما للعلاقة شديدة الخصوصية التي بناها الإسلام مع الزمن و التي (في رأيي) كانت السبب الذي دفع عمر بن الخطاب لابتكار تقويم خاص بالمسلمين في أوائل خلافته,,, فمطلقية الزمن عند العربي (المسلم بوجه أعم) أصبحت من مطلقية الله , و من المعتاد أن ترى العربي و هو يعلق أمله على الزمن و يطلب العون منه على مصائب الدنيا , و الثقة في الزمن هي من ملامح الصلاح و الطيبة , فـ (بشر الصابرين) و عند المصريين (الصبر مفتاح الفرج) و الطريف أن هذه السياقات تحدثت عن الصبر أيضا بمفهوم مطلق , فهي لم تضع له حدودا و لم تشرطه بأشراط ينتهي بها , بل هو انتظار مطلق و حسب ,,, و في أحيان أكثر تطرفا يعتبر الزمن هو الذات الإلهية شخصيا , و جرت على ألسنة العامة من المصريين في هذا السياق أحاديث نبوية تؤكد على هذا الربط مثل القول المنسوب للنبي نقلا عن الله ذاته (لا تسبوا الدهر فأنا الدهر) أي أن الله هو الزمن , فلا يصح أن نقول مثلا (زمان أغبر) !!!
و بمرور الوقت تسربت إلى اللغة تلك الاعتباطية المتعلقة بأن الزمن مطلق , و تطورت ألفاظ و تراكيب لغوية تتناسب و مطلقية الزمن لتصف المواقيت و لا تحددها , مثل: (كمان شوية : و التي لا تحدد شيئا تقريبا) (النهاردة: و التي تعني حرفيا أثناء نهار هذا اليوم و لكنها تستخدم للإشارة لنهار اليوم و ليله معا) و غيرها , اللغة العربية مليئة بألفاظ لوصف المطلقات لكنها لا تحددها , فمثلا يمكن وصف الله بـ (الكريم) و لكن لا يمكن نظريا وضع تصور لغوي للفظ الذي يرسم حدود كرم الله !
هذا التصور المطلق عن الزمن أسهم في أن أصبح العربي غير مبال بالوقت , فماذا يمكن أن يضر تأخير عشر دقائق عن ميعاد ما , ماذا يمكن أن يحدث في عشر دقائق أصلا , و أنا هنا لا أشير لبطء وتيرة حياة العرب فحسب , بل أقصد بالأساس الإشارة لمفهوم الزمن كإطار و ما يمكن أن يحدث فيه .. أذكر في هذا السياق عبارة من حديث صديقة هولندية على الهاتف منذ سنوات و هي (انتظرني أمام مبنى المكتبة , سوف أكون هناك في سبع دقائق ) و لا أريد أن أبهر القاريء بمدى دقة هذه الصديقة و مدى التزامها بالوصول في الوقت الذي حددته بقدر ما أود لفت انتباهه إلى تركيبة العبارة , فاللفظ المحدد هنا هو (سبع دقائق) و استخدامه بهذ الشكل العفوي في عبارة بين صديقين يدل على اختلاف جذري بين مفهوم الثقافتين عن الوقت..
و على الجانب المقابل فإن للعربي مفهومه الخاص عن نسبية الزمن أيضا !
فبموازاة الإطلاق , تطورت أيضا أنظمة الإشارة إلى نسبية و تجزؤ الوقت , فنجد في العربية ألفاظا محددة لأجزاء الوقت يندر استخدامها في لغات و ثقافات أخرى مثل (ثلث ساعة) و (ساعة إلا ربع) (و نص إلا خمسة) و (نص و خمسة) , و قد ينخدع المراقب بذلك التدقيق بشأن أجزاء الوقت , و قد يظنه خطأ أنه منعكس من اهتمام مفرط بالوقت و حساسيته , و لكن على العكس ,, هذه الوفرة من التراكيب إنما هي في حقيقة الأمر مخارج طواريء لغوية طورها و العرب بمرور الوقت استجابة لمفهوم خاص عن مطلقية الزمن..
فإشارة العربي للخمس دقائق لا تعني بالضرورة خمس دقائق , و هي تختلف في دلالتها من القرية للمدينة و تتباين أيضا في وقعها على قائلها و متلقيها حسب الطبقة الاجتماعية و الثقافية التي ينتمي إليها أي منهما, بل و لن نبالغ إن فرضنا أنها بالضرورة تتباين في مدلولها بين الرجل و المرأة , فهي في حقيقة الأمر لا تحدد أي شيء سوى معان مجازية لمفهوم ضبابي لا يستطيع التواصل معه إلا المتحدث و المستمع أو من اتصل بهما في سياق الحديث.
و قد يسأل سائل , كيف يمكن التوفيق بين ما ذهبت إليه و بين الوقت كوجود في الثقافة العربية الإسلامية , فالوقت و الزمن في الإسلام هو الصلاة و هو الصيام و هو ميعاد إخراج الزكاة و التهاون في تحديده هو بمثابة تهاون في آداء الفريضة , و أرد على ذلك بأن تحديد الزمن في الإسلام يذوب داخل مطلقية مفهوم آخر أكثر رحابة و هو مفهوم (الجماعة و الإجماع) , و هي مسألة شائكة لا مجال للخوض فيها الآن , لكن يمكن إيجازها بأن فكرة الإجماع و اتباع الجماعة في الإسلام , أوجدت احتمالية لمحلية الوقت , فالوقت أصبح متغير محلي local , مرتبط بالجماعة و معه يصبح في الإمكان أن يكون لكل جماعة مواقيتها و عليه لن يتعارض مفهوم الإطلاق مع النسبية من هذه الوجهة.
بقي أن نطرح مسالة واحدة و هي مدى اتفاق العرب مع غيرهم من أمم العالم الثالث في هذا الأمر , و هو ما يحتاج إلي مزيد من البحث للوقوف عليه .

0 التعليقات:
إرسال تعليق