إنتهيت أمس الأول من تسليم أحد الأوراق البحثية المهمة , و عدت لقراءة بحث "أدونيس" الشيـّـق المسمى "الثابت و المتحول - بحث في الإبداع و الاتباع عند العرب" الذي كنت قد تركته فجأة قبل أن أكمل قراءة جزئه الأول , و هو و على الرغم من كل ما يقال عن كاتبه , يعد في رأيي من أفضل ما قرأت على الإطلاق فيما يخص تحليل و نقد منظومة انتاج الثقافة العربية.أسلوب "أدونيس" عميق و سلس دون تعقيد بشكل يخفف من وقع ضخامة الكتاب (الكتاب يقع في أربعة أجزاء مجموعها يقارب 1600 صفحة ) و يجعله يسيرا و ممتعا للقراءة . و أردت أن أشارككم في بعض مما ذهب إليه "أدونيس" و قد رأيت فيه الكثير مما يرتبط بما نمر به اليوم في مصر من تحول اجتماعي , قد ينعكس مجمله على المشهد الثقافي العربي لاحقا.
يبدأ "أدونيس" بحثه بالتعريف لما أسماه "الثابت" و المتحول" في الثقافة العربية.
فـ "الثابت" هو الفكر الذي ينهض على الفهم السائد لـ"النص المركزي" في الثقافة العربية - الوحي - بوصفه الحجة و المرجع المركزي . و هو الفكر الذي يتخذ من ثبات النص حجة لثباته هو , و يعتبر النص هو الأصل المعرفي الذي يجب أن تنقل عنه كل المعارف , و يقيم هذا الفكر - بناءا على ذلك - سلطة معرفية تمارس الرقابة و التقييم و التمييز بين ما يمكن أن يكون فكرا صالحا أو فاسدا.
أما "المتحول" فهو الفكر الذي ينهض على البحث و الإبداع و الابتكار و لا يرى في الفهم السائد للنص مرجعية للمعرفة الدنيوية العامة - تمييزا لها عن المعرفة الدينية الخاصة - أو هو الفكر الذي ينهض في بعض الأحوال على تأويل النص وليس نقله , أي يجعل النص قادرا على التكيف مع الواقع , ببساطة هو الفكر الذي يعتمد العقل لا النقل وسيلة لبناء المعرفة.
مأزق المعرفة في الحضارة العربية
و يلخص "أدونيس" أساس الإشكال المعرفي في الحضارة العربية في أن " ثبات النص على المستوى الديني انتقل للآداب العامة و العلوم و الفكر- و هي أمور خاضعة للنقد و الجدل- و بناءا عليه تحول المعيار الديني الخاص بالحكم على المعارف الدينية صالحها و طالحها إلى معيار سياسي عام , له سلطة رقابية و يمارس سلطة الحكم على الأشياء و يقوم على التمييز بين المعارف الدنيوية إلى معارف نافعة و معارف غير نافعة , و عليه نشأ ذلك التمفصل بين الديني/السياسي من جهة و بين المعرفي/الثقافي من جهة أخرى , و أصبحت المعرفة في نظر البعض عدوا طبيعيا للتدين.
و يمكن فهم مأزق الجمود الثقافي الحالي الذي تعاني منه منظومة انتاج الثقافة العربية إنطلاقا مما سبق , و إذا أضفنا إليه رأي الطبري القائل بأن المعرفة هي بالـ "النص و الخبر" و سبيلها الصحيح هو "الكتاب و السنة و آثار السالفين" , يمكننا أن نرى كيف أن بينة المعرفة في الحضارة العربية بنية نقلية و ليست بنية بحث و تساؤل عقليين , و نرى أنه وفقا للطبري تصبح كل المعارف المتولدة عن أي إطار آخر خارج إطار النقل , هي بالضرورة معرفة فاسدة تقع ضمن إطار الضلال و الابتداع.
ظاهرة العزوف عن القراءة
و قد يفسر ذلك أيضا إشكالية أخرى و هي إشكالية العزوف الجمعي عن القراءة بوجه عام في المجتمعات العربية , فإجمالي ما ينتجه المجتمع العربي من كتب لا يجاوز إنتاج قرية صغيرة في جنوب أسبانيا , و إجمالي عدد الكتب التي يقرأها طالب جامعي في عام واحد في إحدى جامعات الولايات المتحدة يجاوز متوسط ما يقرأه الإنسان العربي طيلة حياته.
فالقراءة كنشاط اجتماعي مبعثها البحث , و هي تنطوي على رغبة إنسانية في التساؤل و التحقق , و هم فعلان معاديان أصلا لبنية الثقافة العربية المعاصرة.
ظاهرة العزوف عن البحث
و بينما تستمد الحضارة الغربية منظومتها المعرفية من "البحث" و ترى أن "الحقيقة" موجودة في "الطبيعة و الإنسان" و أن الإجابة عن تساؤل الوجود الأكبر مرتبط بالضرورة بالبحث عن الإجابة في الطبيعة و الإنسان , تنبني الحضارة العربية على "النص" , فـ "الحقيقة" كلها موجودة فيه , فالنص وفقا للرؤية الدينية يشتمل الوجود كاملا , و يحيط به إحاطة كلية , و يقوله كما هو في ماهيته و تمامه , و بالتالي يصبح الوصول لـ "المعرفة الحقة" مرتبط بالنقل عن هذا المرجع الشامل "النص" , و لا عجب بالتبعية أن نجد أن أصل العلوم في الغرب هو العلوم الدنيوية القائمة على البحث و التساؤل و التجديد , بينما أصل العلوم في الحضارة العربية هو "العلوم الدينية الشرعية" القائمة على النقل و تفسير ما هو موجود أصلا.
البحث و التساؤل ظاهرة دخلية على الثقافة العربية
و ليس من المفاجيء أن نرى أن إجمالي منجزات الحضارة العربية في العلوم الإنسانية و الدنيوية مبني بالأساس على ما ترجمه العرب من علوم الإغريق و الفرس و الهندوس , و أن منظومة إنتاج الثقافة العربية تأثرت سلبا حين تخلت عن الترجمة و النقل عن الحضارات الأخرى , لأن الحضارة العربية تفتقد أصلا لمكون البحث و التساؤل العقليين , كما أنه ليس من المفاجيء أن نرى أن معظم سـير و قصص المفكرين و العلماء العرب الكبار تشتمل على فترة قضوها في السجن , أو أن حياتهم انتهت قصرا بالقتل عقابا على أفكارهم , فـ "الحسن بن الهيثم" وصل لنظريته الشهيرة عن الضوء و هو يقضي عقوبته سجينا , و "بن سينا" أغتيل بالسم حين اعتقد الناس أنه رافضي نتيجة لنظرياته , و "السهروردي" مات مذبوحا بأمر من "صلاح الدين الأيوبي" لما رآه في أفكاره من خروج على السائد في عصره , و "بن رشد" حرقت كتبه و طرد من بلاده لما رأوه في كتاباته من تجديد غير مرغوب فيه , و الأمر الأغرب أن آراء هؤلاء و غيرهم هي ما أسس للحضارة الغربية لاحقا , بينما لم ينتفع منها العرب لأنها لم تكن يوما ضمن بنية الثقافة العربية , فمنهج البحث و التساؤل منهج دخيل يلوث نقاء البنية النقلية للحضارة العربية و يجب إقصائه بالسجن أو القتل .
انعكاس "بناء المعرفة بالنقل" على ثقافة المجتمع
و ينبثق عن منهج النقل في بنية الثقافة العربية أمران غاية في الخطورة لما لهما من ارتباط بواقعنا المعاصر:
الأول: هو ميل المجتمع إلى تفسير و تطويع الواقع وفقا للفهم السائد للنص عند وقوع اختلاف بينهما , فيجب أن يكون الواقع مطابق للنص دائما , و عند الاختلاف يجب أن يعاد تشكيل الواقع بما يتفق مع النص , لأن ذلك يؤثر على شمولية و تمام النص , و قد يحدث ذلك أحيانا بغلق باب النقاش في موضوعات بعينها , تظل خطوطا حمراء لا يجب الاقتراب منها في بنية الثقافة و تكتسب بعدا قدسيا يجعلها عصيـّـة على البحث و التحقيق . و هو أمر غاية في الخطورة لأنه ينتهي بالثقافة العربية كلها إلى حالة من الإنكفاء على الذات إما باختلاق بيئات غير حقيقية تتماهى صوريا مع النص أو بالإنعزال و التعامي عن الحقائق التي تجري في الواقع بالتعارض مع الفهم السائد للنص .
الثاني: هو نشوء سلطة النص , فالنقل عن النص مرتبط بالتبليغ عن السلف , فهم من يقرر ما هو حق و ما هو ليس حق , و مسؤولية النقل هنا ينشأ عنها سلطة أخلاقية و سياسية تخول لصاحبها أن يدعي لنفسه احتكار الحقيقة و احتكار الدفاع عنها و التحدث باسمها , فهو أعلم الناس نقلا عن السلف , و إرادته تتطابق مع الإرادة الإلهية , و من خالفه في الرأي قد يصبح مخالفا للإرادة الإلهية , و قد يكون ذلك مسوغا للعنف بالتبعية , فالعنف هنا يصبح أداة لتحقيق الرغبة الإلهية ضد "الكفار" , و تختلط الحسابات السياسية الدنيوية مع ما هو سماوي و يصبح التمييز بينهما مستحيلا , و يستساغ الوصول للسلطة بأي ثمن لتحقيق "رغبة الله" .
هل الثقافة العربية معادية للحداثة؟
و يعود "أدونيس" ليلفت النظر إلى أنه بينما ينطلق المشروع الحداثي من "افتراض نقص أو غياب معرفي في المنظومة المعرفية الحالية نريد أن نعالجه إما بالابتكار و البحث و إما بالنقل عن حضارات أخرى" .... تنطلق السلفية من "إفتراض كمال معرفي في النص الأول "الوحي" و النصوص الموازية له "الفهم السائد" و كلاهما حدث في الماضي بحيث لا يعود للحداثة معنى في ظل حضارة حققت إبداعها الأكمل فيما مضى .
و بناءا على هذه الفرضية يصبح التاريخ في المجتمع العربي ليس محاولة إنسانية للتقدم مما هو حسن إلى ما هو أحسن , ذلك أن "الأحسن / الأكمل " قد حدث فعلا في الماضي , و أن أي حركة للأمام معناها الابتعاد عن كمال هذا الماضي و مثاليته , و أي محاولة للبحث و بناء معرفة جديدة في أي مجال هي إنحراف عن الأصل و إنحدار من الإكتمال إلى النقص , بشكل يمكن تلخيصه في السؤال الاستنكاري الشهير: لماذا نأخذ أي من المناهج و قد أوتينا أعظم المناهج؟
و قد يكون هذا أيضا أحد أسباب عزوف المجتمع العربي عن تطوير المعارف و البحث , لأن التطوير في هذه الحالة يمثل تجاوزا للحضور الدائم للنص في بنية المعرفة , و يستحيل على المعارف كلها أن تتجاوز هذا التجلي الأعظم للنص الذي كان عند حدوث النص إبتداءا.... فيصبح أبلغ الكلام هو القرآن , و أبلغ الحديث هو حديث الرسول , و أصدق الحقائق تنقل عن الكتاب , و أشمل المعارف لم يتركها الكتاب , فهو الحقيقة في تمامها و هو الحقيقة في ذاتها , و لا شيء غيره يمكن أن يجاوزه .
انفصال "فكر المجتمع" عن "شكل المجتمع"
و يترتب على تلك الحقيقة ظاهرة أخرى من منتهى الخطورة , و هي ظاهرة انفصال البنية الفوقية للمجتمع عن بنيته التحتية .
ففي أي مجتمع تكون البنية الفوقية , فكر المجتمع , "الفكر , التقنيات , الثقافة , الفن , القانون , إلخ " مرتبطة بعلاقات معقدة و حيوية جدا مع البنية التحتية , شكل المجتمع ,"الهيكل الاقتصادي , البنية الاجتماعية , المناخ , المواد المحلية , إلخ " و عادة ما يكون كل منهما ترجمة و ترادف للآخر , فعلاقات الانتاج و الاستهلاك و تقسيم العمل في المجتمع الأمريكي لابد و أن تنعكس بشكل ما في قوانينه و ثقافته و موسيقاه و آدابه , و هذا أمر بديهي .
بينما الحال في المجتمع العربي غير ذلك , فالوحي و الشريعة كبنية فوقية للمجتمع العربي لا يعاشان بوصفهما شكلا من أشكال الوعي الإجتماعي الذي يتطابق مثلا مع قوى الانتاج و تقسيم العمل , فطبيعة الوحي "فوقية" و "إملائية" غير قابلة للتشكل لأنها غير ناتجة عن ممارسة اختبارية نقدية للحياة المعاشة , أي أن معايشة المجتمع العربي للنص "البنية الفوقية" غير ناتجة عن تفاعل للنشاط العقلي و حركة الواقع "البنية التحتية" , أي أن الثقافة العربية لم تأت اكتسابا , بل أتت إملاءا , هي ثقافة تشكل المجتمع و لا تتشكل به , فهي علاقة أحادية الاتجاه .
خطورة الانفصال
و خطورة مثل هذه البنية الفوقية المفروضة أنها تتطلب قدرا من القمع الفكري و الإقصاء كي تحافظ على استقرارها , بل و تتطلب في كثير من الأحيان ممارسة منهجية لطمس الوعي و حصار الحريات , لأن ممارسة حرية الفكر تؤدي بالضرورة إلى إنتاج منظومات ثقافية تكون أكثر تجاوبا مع شكل المجتمع و طبيعة بنيته التحتية و هو ما قد يكون مخالفا في كثير من الأحيان للفهم السائد للنص .
و ندلل على ذلك مثلا بدور المرأة في المجتمع العربي , فعلى صعيد البنية الاجتماعية للمجتمع العربي نجد المرأة تمارس دورا فاعلا أكبر بكثير من الرجل الذي قد يقتصر دوره في بعض الأحيان على التمويل , و على الصعيد الآخر هناك تمييزا منهجيا و إقصاءا للمرأة و حصارا لحقوقها في كافة الأنشطة الاجتماعية و الثقافية , لأنها إذا تركت تمارس دورها الطبيعي في المجتمع قد يفرز ذلك بنية فوقية جديدة أكثر تعبيرا عن دور المرأة الحقيقي و قد يكون هذا تهديدا للبنية الفوقية التي يكرس لها الفهم السائد للنص .
ينطبق نفس المثال السابق مثلا على حقوق الأقليات الغير مسلمة في المجتمع العربي/المسلم , فهذه الأقليات في معظمها تلقت تعليما جيدا و على درجة أكبر من الوعي و يعمل أغلبهم في مهن تقنية عالية التخصص , و على الرغم من ذلك فهناك حصار دائم لدورهم في هياكل العمل لأن ممارستهم الطبيعية لأدوارهم قد ينتج عنها إفراز لبنية فوقية تعطيهم أفضلية ما , و هو ما يتعارض مع البنية الفوقية التي يمليها الفهم السائد للنص و التي تؤكد على اليد العليا للمسلمين في المجتمعات العربية في كل شيء .




