Search here

 

01 مايو, 2011

الثابت و المتحول - أدونيس

إنتهيت أمس الأول من تسليم أحد الأوراق البحثية المهمة , و عدت لقراءة بحث "أدونيس" الشيـّـق المسمى "الثابت و المتحول - بحث في الإبداع و الاتباع عند العرب" الذي كنت قد تركته فجأة قبل أن أكمل قراءة جزئه الأول , و هو و على الرغم من كل ما يقال عن كاتبه , يعد في رأيي من أفضل ما قرأت على الإطلاق فيما يخص تحليل و نقد منظومة انتاج الثقافة العربية.

أسلوب "أدونيس" عميق و سلس دون تعقيد بشكل يخفف من وقع ضخامة الكتاب (الكتاب يقع في أربعة أجزاء مجموعها يقارب 1600 صفحة ) و يجعله يسيرا و ممتعا للقراءة . و أردت أن أشارككم في بعض مما ذهب إليه "أدونيس" و قد رأيت فيه الكثير مما يرتبط بما نمر به اليوم في مصر من تحول اجتماعي , قد ينعكس مجمله على المشهد الثقافي العربي لاحقا.

يبدأ "أدونيس" بحثه بالتعريف لما أسماه "الثابت" و المتحول" في الثقافة العربية.
فـ "الثابت" هو الفكر الذي ينهض على الفهم السائد لـ"النص المركزي" في الثقافة العربية - الوحي - بوصفه الحجة و المرجع المركزي . و هو الفكر الذي يتخذ من ثبات النص حجة لثباته هو , و يعتبر النص هو الأصل المعرفي الذي يجب أن تنقل عنه كل المعارف , و يقيم هذا الفكر - بناءا على ذلك - سلطة معرفية تمارس الرقابة و التقييم و التمييز بين ما يمكن أن يكون فكرا صالحا أو فاسدا.
أما "المتحول" فهو الفكر الذي ينهض على البحث و الإبداع و الابتكار و لا يرى في الفهم السائد للنص مرجعية للمعرفة الدنيوية العامة - تمييزا لها عن المعرفة الدينية الخاصة - أو هو الفكر الذي ينهض في بعض الأحوال على تأويل النص وليس نقله , أي يجعل النص قادرا على التكيف مع الواقع , ببساطة هو الفكر الذي يعتمد العقل لا النقل وسيلة لبناء المعرفة.

مأزق المعرفة في الحضارة العربية
و يلخص "أدونيس" أساس الإشكال المعرفي في الحضارة العربية في أن " ثبات النص على المستوى الديني انتقل للآداب العامة و العلوم و الفكر- و هي أمور خاضعة للنقد و الجدل- و بناءا عليه تحول المعيار الديني الخاص بالحكم على المعارف الدينية صالحها و طالحها إلى معيار سياسي عام , له سلطة رقابية و يمارس سلطة الحكم على الأشياء و يقوم على التمييز بين المعارف الدنيوية إلى معارف نافعة و معارف غير نافعة , و عليه نشأ ذلك التمفصل بين الديني/السياسي من جهة و بين المعرفي/الثقافي من جهة أخرى , و أصبحت المعرفة في نظر البعض عدوا طبيعيا للتدين.
و يمكن فهم مأزق الجمود الثقافي الحالي الذي تعاني منه منظومة انتاج الثقافة العربية إنطلاقا مما سبق , و إذا أضفنا إليه رأي الطبري القائل بأن المعرفة هي بالـ "النص و الخبر" و سبيلها الصحيح هو "الكتاب و السنة و آثار السالفين" , يمكننا أن نرى كيف أن بينة المعرفة في الحضارة العربية بنية نقلية و ليست بنية بحث و تساؤل عقليين , و نرى أنه وفقا للطبري تصبح كل المعارف المتولدة عن أي إطار آخر خارج إطار النقل , هي بالضرورة معرفة فاسدة تقع ضمن إطار الضلال و الابتداع.

ظاهرة العزوف عن القراءة
و قد يفسر ذلك أيضا إشكالية أخرى و هي إشكالية العزوف الجمعي عن القراءة بوجه عام في المجتمعات العربية , فإجمالي ما ينتجه المجتمع العربي من كتب لا يجاوز إنتاج قرية صغيرة في جنوب أسبانيا , و إجمالي عدد الكتب التي يقرأها طالب جامعي في عام واحد في إحدى جامعات الولايات المتحدة يجاوز متوسط ما يقرأه الإنسان العربي طيلة حياته.
فالقراءة كنشاط اجتماعي مبعثها البحث , و هي تنطوي على رغبة إنسانية في التساؤل و التحقق , و هم فعلان معاديان أصلا لبنية الثقافة العربية المعاصرة.

ظاهرة العزوف عن البحث
و بينما تستمد الحضارة الغربية منظومتها المعرفية من "البحث" و ترى أن "الحقيقة" موجودة في "الطبيعة و الإنسان" و أن الإجابة عن تساؤل الوجود الأكبر مرتبط بالضرورة بالبحث عن الإجابة في الطبيعة و الإنسان , تنبني الحضارة العربية على "النص" , فـ "الحقيقة" كلها موجودة فيه , فالنص وفقا للرؤية الدينية يشتمل الوجود كاملا , و يحيط به إحاطة كلية , و يقوله كما هو في ماهيته و تمامه , و بالتالي يصبح الوصول لـ "المعرفة الحقة" مرتبط بالنقل عن هذا المرجع الشامل "النص" , و لا عجب بالتبعية أن نجد أن أصل العلوم في الغرب هو العلوم الدنيوية القائمة على البحث و التساؤل و التجديد , بينما أصل العلوم في الحضارة العربية هو "العلوم الدينية الشرعية" القائمة على النقل و تفسير ما هو موجود أصلا.

البحث و التساؤل ظاهرة دخلية على الثقافة العربية
و ليس من المفاجيء أن نرى أن إجمالي منجزات الحضارة العربية في العلوم الإنسانية و الدنيوية مبني بالأساس على ما ترجمه العرب من علوم الإغريق و الفرس و الهندوس , و أن منظومة إنتاج الثقافة العربية تأثرت سلبا حين تخلت عن الترجمة و النقل عن الحضارات الأخرى , لأن الحضارة العربية تفتقد أصلا لمكون البحث و التساؤل العقليين , كما أنه ليس من المفاجيء أن نرى أن معظم سـير و قصص المفكرين و العلماء العرب الكبار تشتمل على فترة قضوها في السجن , أو أن حياتهم انتهت قصرا بالقتل عقابا على أفكارهم , فـ "الحسن بن الهيثم" وصل لنظريته الشهيرة عن الضوء و هو يقضي عقوبته سجينا , و "بن سينا" أغتيل بالسم حين اعتقد الناس أنه رافضي نتيجة لنظرياته , و "السهروردي" مات مذبوحا بأمر من "صلاح الدين الأيوبي" لما رآه في أفكاره من خروج على السائد في عصره , و "بن رشد" حرقت كتبه و طرد من بلاده لما رأوه في كتاباته من تجديد غير مرغوب فيه , و الأمر الأغرب أن آراء هؤلاء و غيرهم هي ما أسس للحضارة الغربية لاحقا , بينما لم ينتفع منها العرب لأنها لم تكن يوما ضمن بنية الثقافة العربية , فمنهج البحث و التساؤل منهج دخيل يلوث نقاء البنية النقلية للحضارة العربية و يجب إقصائه بالسجن أو القتل .

انعكاس "بناء المعرفة بالنقل" على ثقافة المجتمع
و ينبثق عن منهج النقل في بنية الثقافة العربية أمران غاية في الخطورة لما لهما من ارتباط بواقعنا المعاصر:
الأول: هو ميل المجتمع إلى تفسير و تطويع الواقع وفقا للفهم السائد للنص عند وقوع اختلاف بينهما , فيجب أن يكون الواقع مطابق للنص دائما , و عند الاختلاف يجب أن يعاد تشكيل الواقع بما يتفق مع النص , لأن ذلك يؤثر على شمولية و تمام النص , و قد يحدث ذلك أحيانا بغلق باب النقاش في موضوعات بعينها , تظل خطوطا حمراء لا يجب الاقتراب منها في بنية الثقافة و تكتسب بعدا قدسيا يجعلها عصيـّـة على البحث و التحقيق . و هو أمر غاية في الخطورة لأنه ينتهي بالثقافة العربية كلها إلى حالة من الإنكفاء على الذات إما باختلاق بيئات غير حقيقية تتماهى صوريا مع النص أو بالإنعزال و التعامي عن الحقائق التي تجري في الواقع بالتعارض مع الفهم السائد للنص .

الثاني: هو نشوء سلطة النص , فالنقل عن النص مرتبط بالتبليغ عن السلف , فهم من يقرر ما هو حق و ما هو ليس حق , و مسؤولية النقل هنا ينشأ عنها سلطة أخلاقية و سياسية تخول لصاحبها أن يدعي لنفسه احتكار الحقيقة و احتكار الدفاع عنها و التحدث باسمها , فهو أعلم الناس نقلا عن السلف , و إرادته تتطابق مع الإرادة الإلهية , و من خالفه في الرأي قد يصبح مخالفا للإرادة الإلهية , و قد يكون ذلك مسوغا للعنف بالتبعية , فالعنف هنا يصبح أداة لتحقيق الرغبة الإلهية ضد "الكفار" , و تختلط الحسابات السياسية الدنيوية مع ما هو سماوي و يصبح التمييز بينهما مستحيلا , و يستساغ الوصول للسلطة بأي ثمن لتحقيق "رغبة الله" .

هل الثقافة العربية معادية للحداثة؟
و يعود "أدونيس" ليلفت النظر إلى أنه بينما ينطلق المشروع الحداثي من "افتراض نقص أو غياب معرفي في المنظومة المعرفية الحالية نريد أن نعالجه إما بالابتكار و البحث و إما بالنقل عن حضارات أخرى" .... تنطلق السلفية من "إفتراض كمال معرفي في النص الأول "الوحي" و النصوص الموازية له "الفهم السائد" و كلاهما حدث في الماضي بحيث لا يعود للحداثة معنى في ظل حضارة حققت إبداعها الأكمل فيما مضى .
و بناءا على هذه الفرضية يصبح التاريخ في المجتمع العربي ليس محاولة إنسانية للتقدم مما هو حسن إلى ما هو أحسن , ذلك أن "الأحسن / الأكمل " قد حدث فعلا في الماضي , و أن أي حركة للأمام معناها الابتعاد عن كمال هذا الماضي و مثاليته , و أي محاولة للبحث و بناء معرفة جديدة في أي مجال هي إنحراف عن الأصل و إنحدار من الإكتمال إلى النقص , بشكل يمكن تلخيصه في السؤال الاستنكاري الشهير: لماذا نأخذ أي من المناهج و قد أوتينا أعظم المناهج؟

و قد يكون هذا أيضا أحد أسباب عزوف المجتمع العربي عن تطوير المعارف و البحث , لأن التطوير في هذه الحالة يمثل تجاوزا للحضور الدائم للنص في بنية المعرفة , و يستحيل على المعارف كلها أن تتجاوز هذا التجلي الأعظم للنص الذي كان عند حدوث النص إبتداءا.... فيصبح أبلغ الكلام هو القرآن , و أبلغ الحديث هو حديث الرسول , و أصدق الحقائق تنقل عن الكتاب , و أشمل المعارف لم يتركها الكتاب , فهو الحقيقة في تمامها و هو الحقيقة في ذاتها , و لا شيء غيره يمكن أن يجاوزه .

انفصال "فكر المجتمع" عن "شكل المجتمع"
و يترتب على تلك الحقيقة ظاهرة أخرى من منتهى الخطورة , و هي ظاهرة انفصال البنية الفوقية للمجتمع عن بنيته التحتية .
ففي أي مجتمع تكون البنية الفوقية , فكر المجتمع , "الفكر , التقنيات , الثقافة , الفن , القانون , إلخ " مرتبطة بعلاقات معقدة و حيوية جدا مع البنية التحتية , شكل المجتمع ,"الهيكل الاقتصادي , البنية الاجتماعية , المناخ , المواد المحلية , إلخ " و عادة ما يكون كل منهما ترجمة و ترادف للآخر , فعلاقات الانتاج و الاستهلاك و تقسيم العمل في المجتمع الأمريكي لابد و أن تنعكس بشكل ما في قوانينه و ثقافته و موسيقاه و آدابه , و هذا أمر بديهي .
بينما الحال في المجتمع العربي غير ذلك , فالوحي و الشريعة كبنية فوقية للمجتمع العربي لا يعاشان بوصفهما شكلا من أشكال الوعي الإجتماعي الذي يتطابق مثلا مع قوى الانتاج و تقسيم العمل , فطبيعة الوحي "فوقية" و "إملائية" غير قابلة للتشكل لأنها غير ناتجة عن ممارسة اختبارية نقدية للحياة المعاشة , أي أن معايشة المجتمع العربي للنص "البنية الفوقية" غير ناتجة عن تفاعل للنشاط العقلي و حركة الواقع "البنية التحتية" , أي أن الثقافة العربية لم تأت اكتسابا , بل أتت إملاءا , هي ثقافة تشكل المجتمع و لا تتشكل به , فهي علاقة أحادية الاتجاه .

خطورة الانفصال
و خطورة مثل هذه البنية الفوقية المفروضة أنها تتطلب قدرا من القمع الفكري و الإقصاء كي تحافظ على استقرارها , بل و تتطلب في كثير من الأحيان ممارسة منهجية لطمس الوعي و حصار الحريات , لأن ممارسة حرية الفكر تؤدي بالضرورة إلى إنتاج منظومات ثقافية تكون أكثر تجاوبا مع شكل المجتمع و طبيعة بنيته التحتية و هو ما قد يكون مخالفا في كثير من الأحيان للفهم السائد للنص .
و ندلل على ذلك مثلا بدور المرأة في المجتمع العربي , فعلى صعيد البنية الاجتماعية للمجتمع العربي نجد المرأة تمارس دورا فاعلا أكبر بكثير من الرجل الذي قد يقتصر دوره في بعض الأحيان على التمويل , و على الصعيد الآخر هناك تمييزا منهجيا و إقصاءا للمرأة و حصارا لحقوقها في كافة الأنشطة الاجتماعية و الثقافية , لأنها إذا تركت تمارس دورها الطبيعي في المجتمع قد يفرز ذلك بنية فوقية جديدة أكثر تعبيرا عن دور المرأة الحقيقي و قد يكون هذا تهديدا للبنية الفوقية التي يكرس لها الفهم السائد للنص .
ينطبق نفس المثال السابق مثلا على حقوق الأقليات الغير مسلمة في المجتمع العربي/المسلم , فهذه الأقليات في معظمها تلقت تعليما جيدا و على درجة أكبر من الوعي و يعمل أغلبهم في مهن تقنية عالية التخصص , و على الرغم من ذلك فهناك حصار دائم لدورهم في هياكل العمل لأن ممارستهم الطبيعية لأدوارهم قد ينتج عنها إفراز لبنية فوقية تعطيهم أفضلية ما , و هو ما يتعارض مع البنية الفوقية التي يمليها الفهم السائد للنص و التي تؤكد على اليد العليا للمسلمين في المجتمعات العربية في كل شيء .

05 نوفمبر, 2010

عن الوقت

"هذه التأملات جاءت على هامش المشروع الأخير في تايوان و الذي لم ننجح في تسليم رسوماته الأولية في الموعد المحدد , فقط تأخرنا أربع و عشرون ساعة كانت كفيلة بخروجنا من المنافسة بعد أن كنا مرشحا قويا للفوز بالنظر إلى مشروعات الفرق المنافسة.. هل يمكن لأربع و عشرين ساعة أن تملك هذا التأثير المخيف.. يبدو أن الإجابة نعم.."





اعتدت منذ زمن على ألا أعير الزمن انتباها ..
الزمن هو المتغير الأقل أهمية في حياة المصريين و العرب على وجه العموم , لربما لطول عهدهم بالزمن , فهم هناك على هذه الأرض منذ قديم الأزل , هم قديمون بشكل قد يجعل مفهومهم عن الزمن مختلف عن باقي أجناس البشر , أصلا الجزم بوجود مفهوم واحد للزمن عند العرب هو إلي الخيال أقرب..

و لربما كان الزمن هو الأقل أهمية عند العرب بوصفه المتغير الوحيد المستقل في حياة الإنسان , فالإنسان العربي بغريزية أولية أدرك أن كل المتغيرات مرهونة بسلطة ما غير ذاتية التغير , ما عدا الزمن فما إن تحركت الساعة للأمام لا راد لعقاربها مهما فعل .. و عليه فطن العربي إلى أنه من الأفضل أن يحمل هم المتغيرات التي يستطيع التحكم فيها و يترك هم ما لا يستطيع التحكم فيه..

و ارتبط ذلك المفهوم ارتباطا غريبا بالدين , لربما للعلاقة شديدة الخصوصية التي بناها الإسلام مع الزمن و التي (في رأيي) كانت السبب الذي دفع عمر بن الخطاب لابتكار تقويم خاص بالمسلمين في أوائل خلافته,,, فمطلقية الزمن عند العربي (المسلم بوجه أعم) أصبحت من مطلقية الله , و من المعتاد أن ترى العربي و هو يعلق أمله على الزمن و يطلب العون منه على مصائب الدنيا , و الثقة في الزمن هي من ملامح الصلاح و الطيبة , فـ (بشر الصابرين) و عند المصريين (الصبر مفتاح الفرج) و الطريف أن هذه السياقات تحدثت عن الصبر أيضا بمفهوم مطلق , فهي لم تضع له حدودا و لم تشرطه بأشراط ينتهي بها , بل هو انتظار مطلق و حسب ,,, و في أحيان أكثر تطرفا يعتبر الزمن هو الذات الإلهية شخصيا , و جرت على ألسنة العامة من المصريين في هذا السياق أحاديث نبوية تؤكد على هذا الربط مثل القول المنسوب للنبي نقلا عن الله ذاته (لا تسبوا الدهر فأنا الدهر) أي أن الله هو الزمن , فلا يصح أن نقول مثلا (زمان أغبر) !!!

و بمرور الوقت تسربت إلى اللغة تلك الاعتباطية المتعلقة بأن الزمن مطلق , و تطورت ألفاظ و تراكيب لغوية تتناسب و مطلقية الزمن لتصف المواقيت و لا تحددها , مثل: (كمان شوية : و التي لا تحدد شيئا تقريبا) (النهاردة: و التي تعني حرفيا أثناء نهار هذا اليوم و لكنها تستخدم للإشارة لنهار اليوم و ليله معا) و غيرها , اللغة العربية مليئة بألفاظ لوصف المطلقات لكنها لا تحددها , فمثلا يمكن وصف الله بـ (الكريم) و لكن لا يمكن نظريا وضع تصور لغوي للفظ الذي يرسم حدود كرم الله !

هذا التصور المطلق عن الزمن أسهم في أن أصبح العربي غير مبال بالوقت , فماذا يمكن أن يضر تأخير عشر دقائق عن ميعاد ما , ماذا يمكن أن يحدث في عشر دقائق أصلا , و أنا هنا لا أشير لبطء وتيرة حياة العرب فحسب , بل أقصد بالأساس الإشارة لمفهوم الزمن كإطار و ما يمكن أن يحدث فيه .. أذكر في هذا السياق عبارة من حديث صديقة هولندية على الهاتف منذ سنوات و هي (انتظرني أمام مبنى المكتبة , سوف أكون هناك في سبع دقائق ) و لا أريد أن أبهر القاريء بمدى دقة هذه الصديقة و مدى التزامها بالوصول في الوقت الذي حددته بقدر ما أود لفت انتباهه إلى تركيبة العبارة , فاللفظ المحدد هنا هو (سبع دقائق) و استخدامه بهذ الشكل العفوي في عبارة بين صديقين يدل على اختلاف جذري بين مفهوم الثقافتين عن الوقت..


و على الجانب المقابل فإن للعربي مفهومه الخاص عن نسبية الزمن أيضا !

فبموازاة الإطلاق , تطورت أيضا أنظمة الإشارة إلى نسبية و تجزؤ الوقت , فنجد في العربية ألفاظا محددة لأجزاء الوقت يندر استخدامها في لغات و ثقافات أخرى مثل (ثلث ساعة) و (ساعة إلا ربع) (و نص إلا خمسة) و (نص و خمسة) , و قد ينخدع المراقب بذلك التدقيق بشأن أجزاء الوقت , و قد يظنه خطأ أنه منعكس من اهتمام مفرط بالوقت و حساسيته , و لكن على العكس ,, هذه الوفرة من التراكيب إنما هي في حقيقة الأمر مخارج طواريء لغوية طورها و العرب بمرور الوقت استجابة لمفهوم خاص عن مطلقية الزمن..

فإشارة العربي للخمس دقائق لا تعني بالضرورة خمس دقائق , و هي تختلف في دلالتها من القرية للمدينة و تتباين أيضا في وقعها على قائلها و متلقيها حسب الطبقة الاجتماعية و الثقافية التي ينتمي إليها أي منهما, بل و لن نبالغ إن فرضنا أنها بالضرورة تتباين في مدلولها بين الرجل و المرأة , فهي في حقيقة الأمر لا تحدد أي شيء سوى معان مجازية لمفهوم ضبابي لا يستطيع التواصل معه إلا المتحدث و المستمع أو من اتصل بهما في سياق الحديث.

و قد يسأل سائل , كيف يمكن التوفيق بين ما ذهبت إليه و بين الوقت كوجود في الثقافة العربية الإسلامية , فالوقت و الزمن في الإسلام هو الصلاة و هو الصيام و هو ميعاد إخراج الزكاة و التهاون في تحديده هو بمثابة تهاون في آداء الفريضة , و أرد على ذلك بأن تحديد الزمن في الإسلام يذوب داخل مطلقية مفهوم آخر أكثر رحابة و هو مفهوم (الجماعة و الإجماع) , و هي مسألة شائكة لا مجال للخوض فيها الآن , لكن يمكن إيجازها بأن فكرة الإجماع و اتباع الجماعة في الإسلام , أوجدت احتمالية لمحلية الوقت , فالوقت أصبح متغير محلي local , مرتبط بالجماعة و معه يصبح في الإمكان أن يكون لكل جماعة مواقيتها و عليه لن يتعارض مفهوم الإطلاق مع النسبية من هذه الوجهة.

بقي أن نطرح مسالة واحدة و هي مدى اتفاق العرب مع غيرهم من أمم العالم الثالث في هذا الأمر , و هو ما يحتاج إلي مزيد من البحث للوقوف عليه .

19 أكتوبر, 2010

خلف غسالة الأطباق



سنة و نص هي المدة إللي سيبنا فيها البلوج أنا و محسن ,, ماعرفش إزاي عدى الوقت ده كدة ,, هل فقدنا الطاقة إللي كانت فينا ...
عقلي بيقول : تقريبا إحنا مفقدناش الطاقة و لا حاجة ,, كل ما في الأمر أن هذه الطاقة ضاعت في كذا حته , محسن في الجواز و الشغل و أنا في الشغل و الولا حاجة ..
بس سيناريو التشتت ده قديم اوي ,, اتحرق يعني ,, المصري بيضيع ما مجموعه نص ساعة كل يوم عشان يقنع ناس تانية إنه مش لاقي عشر دقايق يعمل فيهم حاجة مهمة جدا بقى له كتير جدا عايز يعملها و مستنى أي نص ساعة عشان يلحق يعملها ,,, و ضياع الوقت عموما هو السمة المميزة للبرنامج اليومي للإنسان المصري ,,, و تلاقيه بيكرر نفسه في صور مختلفة تحت مسميات زي (كوبري أكتوبر بيضيع اليوم , أصل أنا شغال في القرية الذكية و على بال مارجع اليوم بيكون راح , مراتي عند حماتي , العربية في التوكيل ,...).... كل دي أعذار تقدر تدي صاحبها يوم أجازة في مصر..
أوقات باخاف من إننا نكون بندور في فلك من اصطناع دور الضحية أملا في اكتساب البطولة .. و على موضوع البطولة ده فيه ملاحظة لطيفة أوي,, واخد بالك أنه بمرور الوقت اختلفت مرجعية البطل في العقلية الجمعية للمصريين ,, مابقاش البطل هو المخلص و لا المسيح و لا صلاح الدين .. البطل بقى حد غلبان أوي , بقى هو الموظف أبو بطيخة و عسكري المرور إللي مستحمل حر الصيف إللي مابيخلصش و رذالة الظابط إللي فوقيه.. البطل بقى بيزيد بطولة كل لما ياخد على قفاه ...
طول ما متظاهري وسط البلد بيضربوا هما أبطال , لكن لو هما ضربوا يبقوا مثيري شغب!

نرجع تاني : هل فعلا مابقاش عندنا وقت نكتب بسبب كوبري أكتوبر و التوكيل و و القرية الذكية و حماتك ؟
أكيد لأ ,, بس إيه إللي بياخد الوقت؟
مش عارف ,, الفكرة كمان , إن المصري عموما من الجنسيات المحظوظة في موضوع الوقت ده ,, عايش في بلد متواضعة , إمكانيات اللهو فيها محدودة بحكم الثقافة و بحكم بساطة الحال ,, المصري بيعتبر كوباية الشاي عزومة و قعدة على رصيف في وسط البلد خروجة.. ماعندناش حاجة تاخد وقتنا بالمعنى ده ...
متهيألي الحاجة إللي بتاخد وقت الناس عندنا هي جريهم من الفقر ,, هو ده الحاجة الأكيدة , هو في حقيقة الأمر مش الفقر إللي بياخد وقت الناس , الفقر هو التعبير إللي الناس اختارته عشان تعبر عن هلعها من هبوط مستواها الاجتماعي ,, الخوف الفطري من فقدان القيمة .. المقارنات العدمية إللي كلها بتدور حوالين حودايت استهلاكية جدا ,,, من نوع "لازم نجيب عربية كمان" و "أختي غيرت فرش الصالون" و" لسة ماجبناش غسالة إطباق" و "عايز أجيب بلاك بيري " , و بتمتد لغاية "الصيف السنة دي في الساحل" و "عيد ميلاد طانط شوش النهاردة , عايزين نجيب حاجة من ساليه سوكريه و نروح لها" ......... ده الشيء إللي بياخد الوقت ..... بيسرق الحياة و بيحول الناس لأجساد بلا أرواح ,, أجساد تنتظر لحظة الفناء المادي عشان تتحرر من عناء من الجري من الحاجة إللي هما مش عارفينها ,, للحاجة غللي هما مش متأكدين إذا كانوا عايزينها أصلا و لا لأ ..
هو فعلا غسالة الإطباق فارقة ,, لو جت أو ماجتش فيه مكسب أو خسارة...؟
في ثقافة حسابات الوقت و المجهود فيها معدومة ,, هل هاتفرق إن غسالة الأطباق قامت بالمهمة في نص ساعة بدل ما كانت هاتتعمل في ساعة ...!!
ليه بنجري ورا غسالة الأطباق و نضيع في الجري وراها ما هو أهم لحياتنا فعلا..
الكتابة في البلوج ممكن ماتغيرش العالم ,, لكن على الأقل هاتغيرني أنا ... غسالة اللأطباق مش هاتغير العالم و لا هاتغيرني..

26 مايو, 2009

كفاية فتي بقي (1)







آآآآه من المجتمع المصري ،، تحبه أحيانا ، تبغضه أحيانا ،،، ولكن يكفي أن تكون فردا من أفراده حتي تهيم به وتذوب فيه عشقا ... (راجع تعريف المجتمع المصري – من وجهة نظري – في مقال شعب فوق فوهة بركان) .

مزيج من المميزات والعيوب التي تنصهر بدقة متناهية في مزيج هو أبعد ما يكون عن كل مدخلاته ، مزيج لا تعيه ، ولا تتوقعه ، ولكنك تحياه ، وتعشقه .... وعلى اختلاف المستوي والطبقة والظروف ، تجد هذا المزيج في كل منا شاء أم أبي ،، مزيج تتذوقه ،، تستنشقه في هواء هذا البلد ، مزيج من صفات وسمات لا تتكرر إلا في المواطن المصري ...

دعونا نستعرض هذه الصفات بالتدريج ،، ولتكن أولها صفة منتشرة وملحوظة للغاية – ولاحظني وأنا بقول للغاية – ألا وهي صفة المبالغة ،، المبالغة في كل شىء ،، إحنا شعب ال extreme على رأي أدهم ،، مع إن عقيدتنا هي دين الوسطية ،، لكن اجتماعياتنا جاءت أبعد ما يكون عن هذه الوسطية ، وأوصلتنا إلى هذه الحقيقة ،، عشان الناس تصدقك خليك extreme ،، عشام توصل لحقك خليك extreme ،، عشان تعبر عن رأيك خليك extreme ،،،، وللأسف الناس بتعتبر الشخص الوسطي شخصا ضعيف الشخصية ،، غير ذات مبدأ ،،، لازم أبقي متشدد ومبالغ عشان أعجب يعني .... تدور في الفضائيات تلاقي خبر بيقولك حريق هائل يودي بحياة العشرات ، تحس أن الدنيا خربت ،، وتلاقيه في الآخر عقب سيجارة وطفوه بطفاية واحدة مستعملة ..... تفتح الجرايد تلاقي خبر السيطرة على حريق شب في الحتة الفلانية ولا خسائر ،، بس كده ،، وبعديها تلاقي أن المبني وقع من شدة الحريق وميت واحد ماتوا ..... ليه مش بنقول الحقيقة زى ما هي وخلاص ....

أنت عارف لو المبالغة دى متعمدة أقولك ماشي ، أكيد فيه وراها مصالح ،، أنما المشكلة الفعلية في تسرب صفة المبالغة لمفردات الحياة اليومية ،،، مصيبة أنها تبقي في يوميات حياتنا ،، ومصيبة أن الناس تتعود أننا أكيد بنبالغ وأن الموضوع أكيد مش قوي كده يعني ،،، وكأننا بيصعب علينا ننقل الحقيقة زى ما هي ،، وكل واحد بيحس إن لازم يكون ليه دور في الحكاية ، فا بيضيف حبة توابل عشان يحس أنه عمل حاجة ،،، بجد لو الموضوع ده حسينا أنه بقي عادي بيننا ،، نبقي فقدنا المصداقية في بعض ودى أخطر حاجة ،،، فاكرين القصة اللى كانوا بيحكوهالنا واحنا صغيرين عن الولد اللي كان بيسخر من الناس وبيمثل عليهم أنه بيغرق ،، ولما كان بيغرق فعلا الناس مصدقتوش ،،، الفكرة أن الناس بتكون عندها خلفية أو مرجعية عن الشخص ده أنه مبالغ ، فبتاخد عنه انطباع ، يصعب معه أنه ينقل وجهة نظره ليهم حتي لو كانت صحيحة ،، والظاهر أننا اتعلمنا من القصة دى فعلا ،،، بس اتعلمنا عكس الهدف منها تماما (لازم يعيدوا نظر في القصة التي تروي للطفل المصري ،، المصريين مش زى كل الناس يا اخواننا ) .

من فترة مش طويلة ... كنت مع أصحابي في الأسكندرية على شهر 4 كده ،،، الجو كان بديع بالمناسبة ،، وأنا معلوماتي عن الأسكندرية زى معلوماتي عن الطب البيطري ،، أسمع عنه بس معرفش أي تفاصيل ،، كنا بنتمشي في مكان ما على الكورنيش ،، طلع واحد صاحبنا وقال: تعالوا نروح ناكل كبدة من ولاد الفلاح ،، سألناه حلو ده ؟؟؟ ،،، قال: دى أحلي كبدة اسكندراني هتاكلها في حياتك ،،، طيب ماشي يا عم ،، هو فين ؟؟؟ رد في بساطة متناهية في محطة الرمل ،، وكأننا نعرف محطة الرمل ،،، أيوه فين يعني ؟؟؟ ،،، يعني هانمشي شوية كده ،، وأشار إلى اتجاه موازي للكورنيش ... ماشي يا سيدي ...

فضلنا ماشيين ،، ماشيين ،، وكل ما نلاقي مبني حلو نقولله هي دى محطة الرمل ؟؟؟ - طب بيطري آخر حاجة – يقول لأ ،، لسه شويه ... المهم مشينا ساعة تقريبا لحد ما فعلا كرهنا الكبدة ،، وصاحبنا ده ماشي مستمتع آخر حاجة ،، انعزلنا منه شويه ورحنا سألنا واحد ماشي: هي محطة الرمل دي فين ؟؟؟ ،، الراجل بصلنا وبص قدام كده وقعد يحسب: يعني ست سبع محطات كده ،، مش متأكد ،، ممكن تركبوا من هنا أي حاجة هتروح محطة الرمل .. وأسقط في أيدينا لسه هانمشي ست سبع محطات ،، طبعا لما وصلنا لم يكن لنا أي نفس ناكل كبده ،،، المهم صاحبنا ده فقد مصداقيته بالنسبة لنا حتي الآن ،،، فلا يسأل عن طريق أبدا ...

زي ما فيه مبالغة بالزيادة فيه برضه مبالغة بالنقصان ،، ماتقول ياسيدي أنها عشرين محطة ،،،، ما الذي يمنعنا أن نقول الحقيقة كما هي ؟؟؟ راجع كده أسلوب حياتنا اليومي الذي لا يخلو من المبالغات ،، ستجد أننا لا نقول الحقيقة كما هي أبدا ، لازم نكبرها أو نصغرها تبعا لاحتياجتنا وأهدافنا ،، خلينا كده نفضل نمط في الحقايق لحد لما ما يفضلش لنا أي حد يصدقنا ..

ملحوظة هامة جدا: راجع قراءة المقال والذي لا يخلو مطلقا من المبالغات ،، ما هو أنا مصري برضه ...

11 مارس, 2009

فين يا بني الريفرنس






معدش خلاص ، كان زمان موضوع المرجعية ده ، قصة قديمة قوي ، مبقاش لازم كل حاجة في حياتنا يبقي ليها مرجعية ، أو حتي يبقي ليها سبب أو نتيجة واضحة ،، منذ ظهر توجه الحداثة المحرر من كل قيود الأطر ، حتي أصبحت سياسة اللا إطار هي الأساس ، من الطبيعي ألا تدرك ، ومن الطبيعي ألا تعي ، وكأنك تري طابور من تنظيم النمل وتحترمه ثم يكفي أن تقذفه بحصوة حتي تدرك معني التنظيم الفوضوي ، وكأننا اتفقنا على أن ننتظم في تشكيل فوضوي ، لا أساس له ولا هدف لتحركه ، لا مرجعية ولا رؤية ..

كان يكفي لنا دفعة بسيطة حتي نندفع في كل صوب ، حتي نتشتت ، ونصاب بالسعار ، حتي نتلاشى ، ونتحول إلى لا شىء تقريبا ، كقطرة المياه تتهاوى من عل تحاول جاهدة لم شتات نفسها ، حتي تصطدم بالأرض فتنفجر في يأس ، ويصبح لكل جزء منها مستقبله ، الذي عليه أن يتحمل مسئوليته وحده ، ولكن يكفي فخرا لقطرة المياه سعيها للتلاحم ، للتضام ، لكن ما حجتنا في تشتتنا ، وكأننا نحمل جميعنا أقطابا شمالية ، ولم يعد خطا واحدا يجمعنا ، كان من الممكن أن يبدو هذا منطقيا إن كنا ذوى أهدافا متضاربة ، لكن يكفي أن تبحث داخل نفسك حتي تصل إلى صورة واضحة جدا لضبابية الهدف ، إذن ما الذي يمنعنا ؟

وكأن التنافر المعنوي فرض نفسه نتيجة للتلاحم المادي بين أجساد البشر ، تحليل سطحي ، لكني بالفعل أبحث عن إجابة فلا أجد ، ما أحوجنا للتضام ، ماذا ننتظر ، محنة ، شدة ، أكثر من هذا !! ربما ، ما علينا من وحدة الهدف ، أعتقد أنه مطلب بعيد المنال ، أتكلم فقط عن فردية الهدف ، خط متصل ثم خط متقطع ثم خطوط مترامية ثم لا خط على الإطلاق .
"والله أنا شايف إني أضرب الرصاصة الأول وبعدين أنتو ترسموا العلامة فوق الرصاصة على مهلكوا" إسماعيل ياسين "يعني ناويين تبتدوا من الصفر ؟ ،، ده إذا عرفنا طريق الصفر فين أساسا" عزت أبو عوف وعلاء ولي الدين "أنا حاسس أني أتأخرت مش عارف ليه ،،، مع أن لسه الوقت بدري قوي" واحد صاحبي تعليقا على أنه ليه مخطبش لحد دلوقتي ...

حركة دائبة ، حركة دائبة ، سكون ، حركة ، سكون ، سكون ، اتجاه آخر ، حركة ، حركة ، سكون ، سكون ، اتجاه آخر ، سكون ، تراخي ، استسلام ، حد مستغرب ؟ المعادلة المفروض أنها تبقي كده : انتظار ، تحديد اتجاه ، حركة ، حركة دائبة ، حركة دائبة ، صدمة ، نفس الاتجاه ، حركة ، صدمة ، سكون ، حركة ، حركة دائبة ...

إشارة البدء ، انطلاق ، الكل يجري ، من ااااا هنا ، لأ استني ،،، من هنا من هنا ،،، يالا ،،،، انطلاق ، اندفاع ، ينظر لجاره في السباق ، يري علامات التحدي ترتسم على وجهه ، يشعر بالتخاذل ، يصمم على تجاوز من أمامه ، لا يبالي بهؤلاء الذين صرعهم في محاولة التخطي ، ترتسم على وجهه علامات الارتياح ، ينظر لجاره الجديد ، نفس علامات التحدي ، يشعر بالتخاذل مرة أخري ، ويسخر من شعوره بالارتياح ، وقبل أن يتخذ قرارا يتلقي صدمة في كتفه ، ويتخطاه جاره السابق ليصبح أمامه ، يحاول منعه ولكنه لا يستطيع ، يشعر باليأس ، والاحباط ، يقرر الخروج من هذا السباق ، ينظر يمينا ويسارا أعمدة كثيرة من البشر ، يعلم أنه لو توقف سيصرعه من خلفه ، يستسلم لفكرة المضي قدما ، تتوقف مشاعره عن إصدار أية معلومات جديدة ، يفكر في سبب دخوله هذا السباق ، ولكنه يكتشف أنه لم يستخدم عقله منذ فترة طويلة ، يعجز عن تحليل الموقف ، ولكنه يتذكر أن أحدا لم يذكر شيئا عن نهاية السباق ، تبدأ تخور قواه ، فيوفر طاقته للجري ، يتوقف عقله عن إصدار أية معلومات جديدة ، غبار ، عرق ، يسمع نبضات قلبه ، ثم لا يسمعها ، تتحول المحيطات إلى أطياف ، ثم لا يراها ، يركز في أنفاسه ، يجرى ، يجرى ، يجرى ، ثم يموت ،،،،، وينتهي السباق.